الشيخ محمد آصف المحسني
46
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
نفس المدّعي في حالاته وآدابه وأخلاقه ومعاملاته ، فإنّه أحسن دليل على أنّ فعله الخارق معجز أو سحر ، وليس هناك ضابط كلّي يتكفّل امتيازه عنه ، ولعله لأجل ذلك التجأ الكفار إلى نسبة معاجز الأنبياء إلى السّحر ؛ إذ لو كان هناك ضابط كلّي ظاهر لن يتجرأوا عليها كما لا يخفى . ثم إنّ المعجزة إما تحتمية ، وهي ما يتوقف عليها إثبات النبوّة وإتمام الحجة وقطع المعذرة . وإمّا تفضّلية ابتدائية يظهرها النبي تأكيد لأمره وتقريراً لاطمئنان أمّته . وإمّا اقتراحية يطلبه الناس والذي يجب إجراؤه عقلًا هو الأول دون الأخيرين . الفائدة الثالثة : في دلالة المعجزة على صدق المدّعي لا شكّ في عدم حكم العقل بصدق كلّ خبر وأمر يدّعيه مدّع ، بل الشيء - إذا لم يكن ضرورياً - محتاج إلى بيّنة وبرهان في إثباته ، سواء في الأبحاث العلمية أم في الأمور الخارجية ؛ ولذا استمرت سيرة العقلاء في باب اللجاج والاحتجاج على إقامة البرهان وطلب البيّنة ، فمن يدّعي أنّه رسول من قبل الله تعالى إلى الناس لا بدّ له من استخدام شاهد على ذلك ، وهذا الشاهد لا يمكن إلا بإثبات أنّ الله ذلّل له بعض قوى عالم الطبيعة وسخّره له ، وجعله تحت يده بحيث يمكنه التصرف فيه بما لا يمكن لأمثاله من أفراد نوعه ، فيكون ذلك دليل صدقه في كلامه . ومن أقرب التمثيلات أخبار الإذاعة الحكومية بأن فلاناً عيّن موظّفاً كذائياً في محل كذا ، فإنّ الشعب بمجرد استماعه يوقنون به ؛ إذ الإذاعة تحت سلطة الحكومة ، ولا يمكن نشر خبر إلّا بإذنها ، فإذا أذيع خبر نصف الموظّف المذكور فهو يكشف قطعاً عن وقوع ذلك وأن الحكومة عيّنته كذلك . فالمعجزة كما تكون برهاناً على نبوّة النبي كذلك دليل على وجود الواجب القديم . فما يقوله المشككون في هذا العصر من أن الوحي تجربة نبوية لشخص النبي ، فلا لنا من تقييمها ، ثمّ يوسوسومن في ذلك ، حتى يؤول كلامهم إلى أن القرآن من ألفاظ النبي ، وإنّما الوحي المعاني الكلية ، ثم انجر الأمر إلى أن ادّعى بعضهم أن القرآن لفظاً ومعنى من النبي دون وحي من الله تعالى . وهذا هو إنكار الأديان الإلهية من أصلها وإلحاد لا ريب فيه . وخلاصة الكلام : إن وحي الله إلى النبي وإن لم يكن محسوساً لنا ، ولا مورد التجربتنا ، لكنّ المعجزة - على ما بيّناه - دليلًا قاطعاً - عليه ، فماذا بعد الحق إلا الضلال . نعم ، من أنكر تبعيّة أفعال الله للأغراض لا يمكنه إثبات دلالة المعجزة على صدق النبي كما بيّناه في الجزء الثاني .